عبد الرزاق بن رزق الله الرسعني الحنبلي
391
رموز الكنوز في تفسير الكتاب العزيز
فإن قيل : أين هذا من قوله : « نحن معاشر الأنبياء لا نورّث » « 1 » ؟ قلت : محال أن يظن بنبي اللّه زكرياء عليه الصلاة والسّلام أنه سأل ربه عز وجل الولد حرصا على وصول مال لو كان له إليه ، وبخلا به على غيره من عصبته وبني عمه ونفاسة عليهم بعرض من الدنيا الفانية يصل إليهم ، فإن هذا من الأخلاق المذمومة البعيدة عن أخلاق العقلاء ذوي الحنكة والتجربة ، البصيرين بعيوب الدنيا الناظرين إليها بعين الفناء ، فكيف بمن اصطفاه اللّه لنبوته واجتباه لرسالته واختصه بولايته وأكرمه بسفارته ، وإنما خاف ضياع الدين والعلم لما كان يشاهد من بني إسرائيل من قتل الأنبياء وتضييع حدود اللّه تعالى وانتهاك محارمه ، فسأل ربه ولدا من سنخه « 2 » يرثه حكمته وعلمه ، ويحسن الخلافة من بعده في قومه . فمعنى قول ابن عباس « خاف أن يرثوه » : أي : خاف أن يرثوه فيسيؤوا خلافته فيما يرثونه منه من القيام بأمور الدين وحقوق الموحدين . وقرأت للكسائي من طريق ابن أبي سريج عنه : « وإني خفّت الموالي » بفتح الخاء وتشديد الفاء وفتحها وكسر التاء لالتقاء الساكنين ، وسكون الياء من « الموالي » « 3 » ، وهي قراءة عثمان بن عفان وسعد بن أبي وقاص وعبد اللّه بن عمر ومحمد بن علي وعلي بن الحسين رضي اللّه عنهم ، على معنى : قلّت الموالي من ورائي . فكأنه خاف على علمه وحكمته ألا يكون لها وارث من شجرة نسبه .
--> ( 1 ) أخرجه أحمد ( 2 / 463 ح 9973 ) . ( 2 ) السّنخ : الأصل من كل شيء ( اللسان ، مادة : سنخ ) . ( 3 ) انظر : زاد المسير ( 5 / 208 ) .